تونس
ثقافة

مسرحية «PSY» لجعفر القاسمي: الضحك كمرآة للذات والمجتمع

الشروق التونسية1 نوفمبر 2026 في 04:12 م0 مشاهدة
مسرحية «PSY» لجعفر القاسمي: الضحك كمرآة للذات والمجتمع

تنويه

هذا الخبر بعنوان "«PSY» لجعفر القاسمي.. حين يصبح الضحك جلسة لمكاشفة الذات وتشريح المجتمع" نشر أولاً على موقع الشروق التونسية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 1 نوفمبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يكن العرض المسرحي «PSY» للفنان جعفر القاسمي، الذي قُدّم مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026 بالمركب الشبابي والثقافي بالمنزه السادس، مجرد أمسية كوميدية، بل تحوّل إلى جلسة مكاشفة جماعية. استدرج القاسمي جمهوره لمواجهة أسئلة الذات ومخاوفها، قبل أن يوسع دائرة البوح لتشمل تناقضات المجتمع التونسي وأزماته. بعد جولة صيفية شملت مهرجانات وتظاهرات ثقافية، وصل العمل إلى تونس الكبرى في عرض خصصه القاسمي للإعلاميين والفنانين وأصدقائه المسرحيين، في لقاء لم يكن مبرمجا مسبقا، حسب تصريح الفنان لـ«الشروق». هذه المحطة أتاحت لجمهور العاصمة فرصة اكتشاف تجربة مسرحية عاد بها القاسمي إلى الركح بعد غياب أربع سنوات.

من الألم الشخصي إلى الوجع الجماعي:

تنطلق دراما العمل من تجربة ذاتية عاشها جعفر القاسمي، مرتبطة بفقدان والدته وآثارها النفسية. لكن القاسمي يعيد صياغة هذه التجربة في قالب كاريكاتوري ساخر، مانحاً الحكاية مسافة فنية تسمح له بالحديث عن لحظاته المؤلمة دون مباشرة أو استدرار عاطفي. استحضر القاسمي سؤالاً للفنان الراحل الفاضل الجزيري: «ما الذي يوجعك؟ ما هو الألم الذي يدفعك إلى إنجاز عمل مسرحي؟». هذا التساؤل أعاد اكتشاف الدافع الحقيقي وراء عودته إلى الركح، وحوّل وجعاً شخصياً إلى تجربة مسرحية شاركها مع الجمهور في قالب كاريكاتوري يجمع بين السخرية والبوح الإنساني.

أوضح القاسمي أنه اختار تقاسم تجربته مع الناس في قالب كاريكاتوري، مع شيء من التجميل والحبكة المسرحية، لتتحول الحكاية من مجرد استعادة لوجع شخصي إلى عمل فني قادر على الوصول إلى المتفرج واستثارة تفاعله. يضيف هذا الاختيار بعداً إنسانياً، إذ يجد المتفرج شيئاً من حياته الخاصة في الحكاية، حتى وإن اختلفت التفاصيل. أكد القاسمي لـ«الشروق» أن بعض الحاضرين بكوا، وآخرين ضحكوا أو تفاعلوا مع الأسئلة، لأن كل واحد وجد نفسه بطريقة ما داخل الحكاية، سواء في لحظات التأثر، أو المواقف الساخرة، أو مساءلة الذات.

لا ينفصل هذا البعد عن رغبة الفنان في كسر الأحكام المسبقة والصور النمطية المحيطة بالعلاج النفسي في المجتمع التونسي. تتحول تجربته مع المختص النفسي إلى مدخل لطرح أسئلة تتجاوز الفرد نحو نظرة المجتمع للصحة النفسية والحاجة إلى فهم الذات ومواجهة الأزمات.

مصعد عاطفي بين الضحك والصمت:

فنياً، يقوم العرض على تنويع الإيقاعات والانفعالات، متنقلاً بين الكوميديا والدراما، والحكاية الشخصية والأسئلة الاجتماعية. وصف جعفر القاسمي هذا البناء بـ«مصعد عاطفي»، يصعد بالجمهور نحو التأثر ثم يهبط به إلى الضحك، قبل الانتقال إلى الإيقاع والصمت. يؤكد القاسمي أن الصمت في «PSY» ليس فراغاً، بل عنصر مقصود ضمن البناء المسرحي، يكتسب أهميته في عرض يعتمد على ممثل واحد وقدرته على إدارة العلاقة مع الجمهور. تصبح لحظة الصمت امتداداً للخطاب، ومساحة للتفكير واستيعاب ما سبقها.

حديث الفنان عن «الترّاك» أو التوتر النفسي الذي يسبق العرض يكشف عن جانبه الآخر من علاقته بالركح. لا يخفي القاسمي خوفه من مواجهة الجمهور، معتبراً إياه جزءاً من المسؤولية الفنية. يعكس هذا إدراكاً لصعوبة العمل ومتطلباته، خاصة مع تعدد المحطات التي تتطلب انتقالاً سلساً بين الحالات النفسية والانفعالية. خصوصية «PSY» تكمن في توظيف الضحك لتهيئة انتقال الجمهور إلى لحظات أكثر جدية، حيث تتغير طبيعة العلاقة بين الخشبة والقاعة، ويصبح الصمت أحياناً أكثر تعبيراً من الكلام.

من عيادة الفرد إلى تشريح المجتمع:

لا يتوقف العرض عند التجربة الشخصية، بل يتخذ منها مدخلاً لقضايا اجتماعية وإنسانية أوسع. الموضوع النفسي يتجاوز العلاج الفردي ليصبح وسيلة لقراءة واقع اجتماعي مثقل بالتناقضات: من الخوف والسلبية إلى البيروقراطية وعلاقات السلطة والحرية، فضلاً عن قضايا الهجرة والمخدرات وغيرها من مظاهر الأزمة المجتمعية. تتحول الكوميديا هنا إلى أداة نقدية تكشف المفارقة بين ما يقوله الأفراد وما يمارسونه، وبين رفضهم لبعض السلوكيات عندما تصدر عن الآخرين وقبولهم بها عندما يجدون أنفسهم في الموقع نفسه. لا يظل المتفرج في موقع المشاهد الذي يضحك على الآخرين، بل يجد نفسه أحياناً موضوعاً للسخرية والنقد. القاسمي لا يقدم نفسه صاحب الإجابات، بل يضع ذاته والجمهور أمام الأسئلة نفسها، محولاً المسرح إلى فضاء للمكاشفة الجماعية.

يكتسب هذا الاختيار دلالة خاصة في ظل نظرة اجتماعية تربط زيارة الطبيب النفسي بالضعف أو المرض، في حين يقدم العرض هذه الزيارة كتجربة إنسانية مرتبطة بالحاجة إلى فهم الذات ومواجهة الأزمات. يصبح الركح فضاء لكسر الحرج الاجتماعي وفتح نقاش حول الصحة النفسية، دون تحويل العمل إلى خطاب توعوي مباشر.

«إضحاك التونسي اليوم ليس أمراً سهلاً»:

يطرح «PSY» سؤالاً حول طبيعة العلاقة بين التونسي والضحك، في ظل الأزمات اليومية والضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية. الضحك في العرض ليس نقيضاً للألم، بل وسيلة للتعامل معه، وأحياناً طريقة لإخفائه أو تأجيل مواجهته. يرى جعفر القاسمي أن إضحاك التونسي اليوم لم يعد أمراً سهلاً، وأن انتزاع الضحكة من الجمهور أصبح تحدياً حقيقياً. يكشف هذا التصريح عن وعي الفنان بصعوبة المراهنة على الكوميديا في سياق اجتماعي تتداخل فيه الأزمات وتتراجع فيه قدرة الإنسان على التفاعل مع مصادر الفرح. يترك العمل سؤالاً مفتوحاً: هل يساعدنا الضحك على مقاومة أزماتنا ومواجهتها، أم أنه يمنحنا فقط فرصة مؤقتة لنسيانها؟ سؤال لا يقدم العرض إجابة نهائية عنه، بقدر ما يدعو المتفرج إلى التفكير في دوره ضمن الواقع الذي ينتقده.

تجربة تتجاوز العودة إلى الركح:

يمثل «PSY» محطة جديدة في مسيرة جعفر القاسمي، ليس فقط كعمل أعاده إلى المسرح بعد غياب أربع سنوات، بل لأنه يكشف عن رغبة في توسيع مساحته الفنية، من الكوميديا القائمة على الشخصيات والمواقف اليومية إلى تجربة أكثر التصاقاً بالسيرة الذاتية والأسئلة النفسية والاجتماعية. تخصيص عرض المنزه السادس للإعلاميين والفنانين وأصدقاء القاسمي، بعد أن جاء موعده بصورة تلقائية إثر الجولة الصيفية، يعكس رغبة صاحب العمل في إتاحة الفرصة للوسط الثقافي والإعلامي لمشاهدة التجربة والتفاعل معها، خاصة أنه أشار إلى أن العمل لم يحظ في البداية بدعوات للمشاركة في مهرجانات تونس الكبرى، رغم تقديمه في عدد من الجهات.

في المحصلة، لا تكمن قيمة «PSY» في قدرته على انتزاع الضحكات فحسب، بل في محاولته الجمع بين الفرجة والمكاشفة، وبين الترفيه وطرح الأسئلة المقلقة. يستثمر جعفر القاسمي تجربته الشخصية ليقدم عملاً يلامس تجارب جماعية، ويجعل من الضحك مدخلاً إلى التأمل في الذات والمجتمع. إنها عودة لا تخلو من الجرأة، لأنها تضع الفنان أمام جمهوره دون الاكتفاء بالصورة الكوميدية التي ألفه بها، وتضع الجمهور بدوره أمام مرآة قد لا تكون مريحة دائماً. يترك العرض رهاناً مهماً: أن يغادر المتفرج القاعة حاملاً معه، إلى جانب الضحكة، بعض الأسئلة التي تستحق التفكير.

بقلم: فيصل عويني

شارك الخبر: