من العنف المتصاعد إلى جريمة القتل: هل فشل القانون أم المجتمع في فهم جذور الظاهرة؟


هذا الخبر بعنوان "من العنف إلى القتل: حين يتحول الاعتداء إلى جريمة موت... هل أخفق القانون أم أخفق المجتمع في فهم الظاهرة؟" نشر أولاً على موقع الشروق التونسية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 4 نوفمبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتزايد جرائم القتل في تونس، مما يثير تساؤلات حول طبيعة العنف الذي يسبقها والظروف الاجتماعية والنفسية التي تغذيه، ومدى قدرة المنظومة القانونية والمؤسساتية على التدخل قبل تفاقم الاعتداءات إلى مآسٍ إنسانية.
من الضروري التمييز بين جريمة القتل المباشر وجرائم الاعتداء التي تنتهي بالوفاة. في كثير من الحالات، لا يكون القتل هو الهدف الأولي، بل العنف والإيذاء المتكرر. تكمن خطورة الظاهرة في أنها لا تقتصر على جرائم القتل، بل تعكس ثقافة عنف متصاعدة تبدأ بخلافات بسيطة وتتطور إلى اعتداءات جسدية خطيرة.
من الخلاف اللفظي إلى العنف الجسدي:
لا يبدأ العنف بالضرورة بالسلاح، بل قد يبدأ بانفعال غير مسيطر عليه، أو خطاب عدائي، أو تهديد، أو محاولة فرض السيطرة. يتطور هذا العنف تدريجياً إلى اعتداء جسدي مباشر، ولم يعد مقتصراً على فئات عمرية أو اجتماعية محددة، بل أصبح يطال مختلف الفضاءات الاجتماعية، بما في ذلك المدارس والأحياء والأسر والأماكن العامة. نشهد مظاهر عنف شديدة بين الأطفال واليافعين، واعتداءات بين الأزواج، وجرائم تنشب بسبب خلافات عائلية بسيطة. حتى المناسبات والأعياد لم تعد بمنأى عن هذه الظاهرة، حيث تتحول خلافات بسيطة إلى اعتداءات خطيرة أو جرائم قتل. يكشف هذا تراجع القدرة على ضبط الانفعالات، وقبول الاختلاف، واحترام سلامة الآخر.
العنف الأسري: الجريمة التي لا تنتهي عند وفاة الضحية:
تعتبر جرائم العنف الأسري من أخطر المظاهر، حيث تمتد آثارها إلى كامل المحيط العائلي. في جرائم العنف الزوجي التي تنتهي بمقتل الزوجة، نواجه مأساة متعددة الأبعاد: فقدان امرأة لحياتها، وأطفال يفقدون أمهم، وأسرة تنهار، وزوج يواجه المساءلة القانونية. يجد الأطفال أنفسهم أمام واقع نفسي واجتماعي قاسٍ، وقد يكونون شهوداً على الاعتداءات أو يعيشون تحت وطأة الخوف قبل وقوع الجريمة، ثم يواجهون فقدان أحد الوالدين وآثاره النفسية والاجتماعية طويلة الأمد. العنف الأسري ليس مجرد خلاف زوجي، بل هو ظاهرة تمس سلامة الأفراد والتوازن النفسي للأطفال واستقرار المجتمع. غالباً ما تكون الزوجة هي الضحية في جرائم العنف الزوجي، مما يجعل الوقاية والتدخل المبكر وتوفير الحماية الفعلية أمراً لا يحتمل التأخير.
حين يتحول الشعور بالمظلومية إلى مبرر للعنف:
تتنامى الخطابات التي تقدم الرجل، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، كضحية لمنظومة تشريعية ظالمة، وتصور القوانين المتعلقة بحماية المرأة والأسرة كأدوات للانتقام منه. هذا الخطاب، حين يتحول إلى تحريض أو تبرير للعنف أو دعوة لأخذ الحق باليد، يصبح عاملاً إضافياً في تأجيج النزاعات. إن الشعور بالمظلومية لا يبرر الاعتداء على الآخر، ولا يمكن أن يتحول إلى ترخيص بالعنف أو الانتقام. يجب أن تكون حماية المرأة جزءاً من منظومة متوازنة تضمن الكرامة والسلامة لجميع أفراد الأسرة، فالقانون يفترض أن يحمي الإنسان ويضمن الحقوق ويمنع الاعتداء.
العدالة المتأخرة قد تتحول إلى عامل في تفاقم النزاع:
لا يمكن إغفال أثر بطء الإجراءات القضائية وطول أمد التقاضي في النزاعات الأسرية والجزائية. عندما تستمر القضايا لسنوات دون حلول عملية، تتولد مشاعر الإحباط والغضب. لا يعني ذلك أن طول التقاضي يبرر الجريمة، بل يؤكد أن العدالة الناجزة والفعالة تمثل آلية وقاية من تفاقم النزاعات. العدالة ليست مجرد حكم قضائي، بل هي قدرة المؤسسات على التدخل في الوقت المناسب، وحماية المتضررين، وتنفيذ الأحكام.
قانون 2017: هل حقق أهدافه في الحد من العنف؟
حاول المشرع التونسي من خلال القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة إرساء منظومة قانونية لحماية النساء. لكن مرور السنوات يفرض سؤالاً جوهرياً: إلى أي مدى نجحت هذه المنظومة في الحد من العنف؟ وهل حققت آليات الوقاية والحماية النتائج المرجوة؟ لا يهدف هذا التساؤل إلى التشكيك في ضرورة حماية المرأة، بل إلى تقييم النجاعة الفعلية للنصوص القانونية ومدى قدرتها على معالجة الظاهرة. التشريع الجزائي وحده لا يمكن أن يكون الحل لظاهرة تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وتربوية واقتصادية. المطلوب هو الوقوف على مدى نجاعة النصوص القائمة، وتقييم آليات تنفيذها، وتحديد مواطن القصور في منظومة الوقاية والحماية، بالاستناد إلى دراسات ميدانية وإحصائيات علمية.
نحن بحاجة إلى بحث اجتماعي ونفسي وطني حول العنف:
يستوجب تنامي مظاهر العنف إطلاق دراسة وطنية متعددة الاختصاصات تتناول الأسباب النفسية والاجتماعية للعنف، العلاقة بين العنف اللفظي والجسدي، أسباب تنامي العنف بين الأطفال واليافعين، العوامل المؤدية إلى العنف الزوجي والأسري، أثر النزاعات القضائية الطويلة، دور وسائل التواصل الاجتماعي في نشر خطاب الكراهية، والآثار النفسية على الأطفال. يجب نشر نتائج هذه الدراسات وتحويلها إلى برامج وقائية وتوصيات تشريعية وعملية.
من سياسة العقاب إلى سياسة الوقاية:
مواجهة العنف لا تتحقق فقط بتشديد العقوبات، بل ببناء منظومة وقائية متكاملة. نحتاج إلى مؤسسات اجتماعية قادرة على التدخل المبكر، وخدمات نفسية متاحة، وبرامج تربوية تعزز ثقافة الحوار وضبط الانفعالات. كما نحتاج إلى تطوير آليات التعامل مع النزاعات الأسرية، بما يضمن حماية الضحايا وتوفير مسارات قانونية ناجعة وسريعة. يجب الاهتمام بالأطفال الذين يعيشون في بيئة أسرية عنيفة. الوقاية الحقيقية تقتضي تكوين المتدخلين في المجالات الأمنية والقضائية والاجتماعية على التعرف المبكر إلى مؤشرات العنف المتصاعد وتقييم درجة الخطورة والتنسيق بين المؤسسات المعنية.
خاتمة: العنف الذي يسبق القتل هو المعركة الحقيقية:
الجريمة التي تنتهي بالموت لا تبدأ دائماً في اللحظة الأخيرة. في بعض الحالات، تكون هناك سلسلة طويلة من التهديدات والاعتداءات والإيذاء النفسي والجسدي لم يتم التعامل معها بالجدية والسرعة اللازمتين. المعركة الحقيقية ضد جرائم القتل تبدأ قبل وقوع القتل نفسه، بمعالجة العنف في مراحله الأولى وفهم أسبابه وتطوير مؤسسات الوقاية والحماية والعدالة. آن الأوان للانتقال من الاكتفاء بالتدخل التشريعي والجزائي إلى مقاربة وطنية شاملة تجعل من البحث الاجتماعي والنفسي أساساً لصياغة السياسات العامة. المجتمع الذي لا يبحث في أسباب عنفه سيظل يواجه نتائجه الأكثر مأساوية. السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: كيف نعاقب من ارتكب جريمة القتل؟ بل أيضاً: كيف وصلنا إلى مجتمع أصبح فيه العنف وسيلة للتعبير عن الغضب، وأصبح فيه الاعتداء احتمالاً وارداً في أبسط الخلافات؟ ذلك هو السؤال الذي يستحق نقاشاً وطنياً جاداً.
بقلم الأستاذة نادية الشواشي