كندا والمملكة العربية السعودية: فصل جديد في العلاقات الثنائية وتعاون اقتصادي استراتيجي


هذا الخبر بعنوان "Canada and Saudi Arabia: A New Chapter in Bilateral Relations" نشر أولاً على موقع باب نت وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 25 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل تحولات عميقة تشهدها الساحة السياسية والاقتصادية العالمية، تدخل العلاقات بين كندا والمملكة العربية السعودية مرحلة جديدة وحاسمة. فبعد مرور أكثر من عقد على زيارة رئيس الوزراء الكندي السابق ستيفن هاربر للمملكة في عام 2014، والتي أسفرت عن أكبر اتفاقية تصدير دفاعية لكندا آنذاك بقيمة تقارب 15 مليار دولار أمريكي، قام رئيس الوزراء مارك كارني بزيارة إلى المملكة في يوليو 2026 على رأس وفد سياسي رفيع المستوى يضم رجال أعمال. أسفرت هذه الزيارة عن توقيع سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية في مجالات الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والتعدين، وقطاعات رئيسية أخرى، مع مشاريع معلنة تتجاوز قيمتها مليار دولار أمريكي. هذه الاتفاقيات لا تشير فقط إلى استعادة العلاقات الثنائية، بل تعكس أيضاً التزاماً مشتركاً بتوسيع التعاون الاقتصادي طويل الأجل.
لماذا كندا والمملكة العربية السعودية؟
تتمتع كل من كندا والمملكة العربية السعودية بمزايا استراتيجية مشتركة. فكلاهما عضو في مجموعة العشرين (G20)، وتصنفان ضمن أكبر منتجي النفط والغاز الطبيعي في العالم، وتمتلكان بعضاً من أكبر احتياطيات الموارد الطبيعية على مستوى العالم. وتقدر قيمة الموارد الطبيعية لكل بلد بحوالي 35 تريليون دولار أمريكي. ولا يزال الاقتصاد الكندي هو الأكبر بين البلدين، حيث يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي فيه 2.3 تريليون دولار أمريكي، أي ما يقرب من ضعف الناتج المحلي الإجمالي للمملكة العربية السعودية البالغ حوالي 1.3 تريليون دولار أمريكي. تحتل كندا المرتبة التاسعة عالمياً من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، بينما تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الثامنة عشرة، لكنها تمتلك بعضاً من أكبر احتياطيات الطاقة المؤكدة في العالم.
على الرغم من هذه التشابهات، يختلف هيكل الاقتصادين بشكل كبير. يعتمد الاقتصاد الكندي بشكل كبير على التنوع، فهو لا يعتمد فقط على الطاقة والموارد الطبيعية مثل الأخشاب، بل يشمل أيضاً الصناعات التحويلية، والخدمات المالية، وإنتاج السيارات، والآلات الصناعية. وتشكل الصناعات التحويلية والصناعات المرتبطة بها حوالي 40% من الناتج الاقتصادي الكندي. في المقابل، سرّعت المملكة العربية السعودية تحولها الاقتصادي في إطار رؤية 2030، مبتعدة عن اعتمادها التقليدي على النفط. وفي العام الماضي، ساهم الاقتصاد غير النفطي للمملكة بحوالي 50% من الناتج المحلي الإجمالي، محققاً نشاطاً اقتصادياً تجاوز 450 مليار دولار أمريكي. ومع ذلك، لا يزال النفط يمثل ما يقرب من 90% من صادرات المملكة.
علاقة بنيت على مدى عقود
قبل الأزمة الدبلوماسية في عام 2018 بوقت طويل، تمتعّت كندا والمملكة العربية السعودية بعقود من التعاون السياسي والاقتصادي والتعليمي المطرد. في عام 2015، كان الميزان التجاري ثنائياً متوازناً، حيث بلغت الواردات والصادرات بين البلدين حوالي 1.5 مليار دولار أمريكي في كل اتجاه. وبين عامي 2012 و2018، كانت المملكة العربية السعودية ثاني أكبر سوق تصدير لكندا في الشرق الأوسط. وامتدت الشراكة إلى ما وراء التجارة. فخلال حرب الخليج، شاركت القوات الكندية إلى جانب التحالف الدولي لتحرير الكويت، كما أنشأت كندا مستشفى ميدانياً في القيصومة لتقديم الرعاية الطبية لأفراد التحالف. وأصبحت الروابط التعليمية أيضاً حجر الزاوية في العلاقة. افتتحت المملكة العربية السعودية مكتبها الثقافي الأول في كندا عام 1978 للإشراف على الطلاب السعوديين المبتعثين للدراسة في الخارج. وبحلول عام 2007، كان حوالي 15,000 طالب سعودي مسجلين في مؤسسات كندية، بالإضافة إلى حوالي 500 طبيب مقيم ومتخصص سعودي يعملون في مرافق الرعاية الصحية الكندية. وبحلول عام 2015، ارتفع عدد الطلاب السعوديين إلى حوالي 16,000، برفقة ما يقرب من 1,000 متدرب طبي. شكل الطلاب السعوديون حوالي 3% من إجمالي الطلاب الدوليين في كندا. وكان مساهمهم مهماً اقتصادياً أيضاً، حيث يدر الطلاب الدوليون مجتمعين أكثر من 37 مليار دولار كندي سنوياً للاقتصاد الكندي من خلال الرسوم الدراسية، والسكن، والإنفاق الاستهلاكي، والخدمات ذات الصلة، مما يدعم أكثر من 360,000 وظيفة على مستوى البلاد.
من صدع دبلوماسي إلى مصالحة
تدهورت العلاقات بشكل حاد في أغسطس 2018 بعد أن دعت وزيرة الخارجية الكندية علناً إلى الإفراج الفوري عن الناشطة السعودية سمر بدوي. رفضت المملكة العربية السعودية هذا التصريح باعتباره تدخلاً في شؤونها الداخلية. وصرح وزير الخارجية آنذاك عادل الجبير بأن الدول حرة في التعبير عن آرائها، لكن لا يحق لأي حكومة أجنبية أن تملي السياسة الداخلية السعودية. وسرعان ما تصاعد النزاع ليصبح أحد أخطر الأزمات الدبلوماسية في تاريخ العلاقات الثنائية. طردت المملكة العربية السعودية السفير الكندي من الرياض وسحبت سفيرها من أوتاوا. وعلقّت المملكة برامج المنح الدراسية لحوالي 16,000 طالب سعودي، وعلقت التعاون الطبي، وصفت جميع الاستثمارات والأسهم السعودية، وعلقت رحلات الخطوط الجوية العربية السعودية إلى كندا، وأوقفت استيراد المنتجات والسلع الزراعية الكندية بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار أمريكي سنوياً. شكل الشعير الكندي وحده حوالي 7% من صادرات كندا إلى المملكة العربية السعودية. وأعاد النزاع الدبلوماسي أيضاً إحياء النقاش الداخلي في كندا حول عقد الدفاع بمليارات الدولارات الذي تم توقيعه في عهد رئيس الوزراء ستيفن هاربر. وعلى الرغم من أن منظمات حقوق الإنسان حثت حكومة ترودو على إلغاء الاتفاقية، إلا أن رئيس الوزراء آنذاك جاستن ترودو صرح بأن كندا ستحترم التزاماتها التعاقدية. وجاء الاختراق بعد عدة سنوات. خلال قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC) في بانكوك في نوفمبر 2022، التقى رئيس الوزراء ترودو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مما مهد الطريق للمصالحة. واستعادت المملكة العربية السعودية لاحقاً العلاقات الدبلوماسية، مما سمح بعودة السفراء والطلاب السعوديين. وفي عام 2024، عززت البلدان علاقاتهما بشكل أكبر عندما أعلنت غرفة التجارة عن استئناف التعاون الاقتصادي وإحياء مجلس الأعمال المشترك الكندي السعودي.
لماذا انتعشت العلاقة بهذه القوة؟
دفعت عدة تطورات إقليمية ودولية ومحلية إلى الانتعاش السريع للعلاقات الكندية السعودية. على الصعيد الإقليمي، أدت علاقة كندا التجارية المتزايدة الصعوبة مع الولايات المتحدة – والتي تميزت بنزاعات التعريفات الجمركية، وتغيير الامتيازات التجارية طويلة الأمد، وسياسات الحماية المتجددة في عهد الرئيس دونالد ترامب – إلى تشجيع أوتاوا على تنويع شراكاتها الاقتصادية خارج اعتمادها المفرط على السوق الأمريكية. وفي حين وسعت كندا تجارتها مع أوروبا والصين، فإن الطلب من تلك الأسواق لا يزال يتركز إلى حد كبير على المواد الخام الكندية مثل المعادن والأخشاب. ومع ذلك، تقدم المملكة العربية السعودية فرصة مختلفة جوهرياً. فبفضل وضعها المالي القوي، وأجندتها التنموية الطموحة، واقتصادها المتنامي بسرعة، تحتاج المملكة إلى الخبرة الكندية في مجالات الطاقة المتجددة والنووية، والتعدين، والذكاء الاصطناعي، والهندسة المتقدمة، والخدمات التقنية. حافظت الشركات الكندية على وجودها في المملكة العربية السعودية منذ الستينيات، مما وضعها في موقع يسمح لها بالمشاركة في المرحلة التالية من التحول الاقتصادي للمملكة. تتضمن رؤية 2030 للمملكة العربية السعودية سلسلة من المشاريع الضخمة، بما في ذلك الاستعدادات لكأس العالم لكرة القدم، ومعرض إكسبو، وبناء مدن جديدة، ومطارات، وطرق سريعة، وشبكات سكك حديدية، وبنية تحتية للطاقة، وخطوط أنابيب للنفط والغاز، وموانئ. هذه هي القطاعات التي تمتلك فيها الشركات الكندية عقوداً من الخبرة المعترف بها دولياً، بينما تمتلك المملكة العربية السعودية الموارد المالية والحاجة الاستراتيجية لتسريع التنمية، خاصة في أعقاب التحديات الأمنية الإقليمية الأخيرة.
كما تطورت الأولويات المحلية في كلا البلدين. فبينما تواصل المملكة العربية السعودية تنفيذ رؤية 2030، اتجهت كندا أيضاً نحو الداخل لتعزيز مرونتها الاقتصادية. أعلنت حكومة كارني عن جيل جديد من المشاريع الاستراتيجية العملاقة بقيمة تقارب 500 مليار دولار أمريكي، تغطي مجالات الطاقة، والمستشفيات، والإسكان، والنقل، والطاقة النووية، وخطوط أنابيب النفط، والموانئ، والصناعات الدفاعية. ومن المتوقع أن تجذب هذه المشاريع استثمارات دولية كبيرة، مما يخلق فرصاً كبيرة للشركات والمستثمرين السعوديين. ويعد صندوق الاستثمارات العامة السعودي، بأصول تقدر بحوالي 1.15 تريليون دولار أمريكي، في وضع جيد ليصبح شريكاً استثمارياً رئيسياً في قطاعات البنية التحتية والصناعة المتنامية في كندا.
التطلع إلى المستقبل
من المرجح أن تجعل استراتيجية كندا المتجددة لتوسيع الصادرات، وجذب الاستثمار الأجنبي، وتعزيز الشراكات خارج أمريكا الشمالية اقتصادها أكثر مرونة مع تقليل اعتمادها على السوق الأمريكية. وسواء استقرت العلاقات مع واشنطن في نهاية المطاف أو ظلت متوترة، فإن استراتيجية التنويع الأوسع لكندا تبدو مستمرة. وتتماشى هذه الاستراتيجية بشكل وثيق مع جهود المملكة العربية السعودية لتنويع اقتصادها وشراكاتها الدولية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ستظل أقرب حليف استراتيجي للمملكة العربية السعودية وأكبر مصدر للفرص التجارية نظراً لحجم الاقتصاد الأمريكي، إلا أن المملكة ملتزمة بنفس القدر بتوسيع شبكة شركائها الاقتصاديين. وفي ظل هذه الخلفية، تمتلك كندا والمملكة العربية السعودية نقاط قوة متكاملة للغاية. ولا تعتمد علاقتهما المتجددة على المصالح الاقتصادية المشتركة فحسب، بل أيضاً على الاعتراف بأن شبكة أوسع من الشراكات العالمية ستكون ضرورية للتنقل في اقتصاد دولي يتسم بعدم اليقين المتزايد.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد