تونس
سياسة

عبيد البريكي: "هكذا نقطع الطريق أمام المنظومة القديمة".. رؤية حركة تونس إلى الأمام للمستقبل

الشروق التونسية20 أكتوبر 2026 في 10:54 ص0 مشاهدة
عبيد البريكي: "هكذا نقطع الطريق أمام المنظومة القديمة".. رؤية حركة تونس إلى الأمام للمستقبل

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""عبيد البريكي أمين عام حركة تونس إلى الأمام:"هكذا نقطع الطريق امام المنظومة القديمة"" نشر أولاً على موقع الشروق التونسية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 20 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أدلى الأمين العام لحركة تونس إلى الأمام، عبيد البريكي، بحوار لـ"الشروق" تناول موقف الحركة من عديد الملفات الوطنية والإقليمية. وفي بداية الحوار، سُئل البريكي عن أهم مخرجات المجلس المركزي الأخير للحركة.

وأوضح البريكي أن اجتماع المجلس المركزي، الذي انعقد في 2 و3 و4 أكتوبر 2026، كان مناسبة لتقييم المرحلة التي تعيشها البلاد، واستحضار الأهداف التي قامت من أجلها محطة 25 جويلية، ومساءلة المسافة الفاصلة بين تلك الأهداف والحصيلة الفعلية. وأكد أن اختيار شعار "من أجل تونس متحرّرة فعلاً، واقتصاد منتج للثّروة وتنمية اجتماعية عادلة" يعكس جوهر الرهانات التي تواجه تونس اليوم، مشيراً إلى رغبة الحركة في دولة مستقلّة في قرارها، متحرّرة من الإملاءات الخارجيّة، وقادرة على بناء اقتصاد منتج، وإرساء تنمية عادلة تضع الإنسان وكرامته في قلب السياسات العمومية. كما أبرز أهمية الوضع الاجتماعي، بما يشهده من تحركات واحتجاجات ومطالب مهنية، كمؤشر على أن معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية لم تعد تحتمل التأجيل، مؤكداً ضرورة الانتقال من مرحلة التعبير عن الأهداف إلى مرحلة تجسيدها في برامج وقرارات ملموسة. وشدد على أن الرهان الأساسي هو أن تتمكّن الدولة من تحقيق قدرتها على الفعل والإنجاز، وأن تصبح السيادة الوطنية قوة إنتاج وتنمية وعدالة اجتماعية.

وفي سياق متصل، وباعتبار الحركة من أهم القوى المساندة لمسار 25 جويلية، تم تقييم حصيلة هذا المسار وإنجازاته، خاصة على صعيد التلازم بين الدولة الاجتماعية والسيادة الوطنية. وأوضح البريكي أن دعم الحركة لمسار 25 جويلية انطلق من قناعة بأن تونس كانت في حاجة إلى تغيير عميق يقطع مع منظومة الفساد والمحاصصة والخيارات الاقتصادية التي راكمت التبعية والمديونية والتفاوت الجهوي والاجتماعي. وأكد أن الدعم لم يكن تفويضاً مفتوحاً، بل دعماً لمشروع تغيير يهدف إلى تحقيق السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية ومقاومة الفساد، وتمكين القضاء المستقل من الكشف عن الاغتيالات السياسية والجرائم المرتكبة في المؤسستين العسكرية والأمنية. وأشار إلى أن تقييم هذا المسار لا يمكن أن يتم بمجرد ما أحدثه من تغيير في المؤسسات أو في موازين القوى السياسية، بل بما أنجزه فعلياً لفائدة الشعب، وبقدرته على تغيير النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي أنتج التهميش والبطالة وتدهور القدرة الشرائية. وأكد على أن مطلب استعادة القرار الوطني قائم، لكن السيادة لا تكتمل إذا بقيت البلاد رهينة المديونية والضغط المالي الخارجي، أو إذا عجز الاقتصاد عن خلق الثروة وموارد الشغل. كما أن الدولة الاجتماعية لا تُبنى بالخطاب وحده، بل بسياسات عمومية تضمن الحق في الصحة والتعليم والنقل والسكن اللائق، وتقلص الفوارق بين الجهات والفئات. واعتبر أن الاختبار الحقيقي للمسار هو قدرته على الربط بين التحرر الوطني والرقي الاقتصادي والاجتماعي، مشدداً على أنه لا سيادة فعلية دون اقتصاد منتج، ولا تنمية عادلة دون دولة قوية وعادلة، ولا يمكن مطالبة المواطنين بالصبر إلى ما لا نهاية في غياب مؤشرات ملموسة على تحسن أوضاعهم. وأكد التمسك بالأهداف التي دافعت عنها الحركة، لكن الوفاء لها يقتضي تسريع الإصلاحات، ومراجعة الخيارات التي لم تحقق نتائجها، وإشراك القوى الوطنية والاجتماعية في صياغة البدائل وتجاوز مواطن الخلل والفشل.

وفيما يتعلق بمعركة التحرر الوطني، يرى البريكي أنها لم تبلغ نهايتها، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً. فالتحرر مسار متواصل لامتلاك القرار الوطني، والتحكم في الثروات، وتحرير الاقتصاد من أشكال التبعية، وبناء مؤسسات قادرة على حماية مصالح الشعب. وأشار إلى أن كل محاولة لتغيير موازين المصالح تواجه مقاومة من أطراف تضررت مصالحها أو تخشى فقدان مواقعها، داعياً إلى التمييز بين المصالح الفئوية التي تسعى إلى إعادة إنتاج المنظومة السابقة، وبين النقد الوطني والاجتماعي الذي يهدف إلى تصحيح المسار وتحسين أداء الدولة. كما أوضح أن الضغوط الخارجية ليست كلها من طبيعة واحدة، وأن أفضل رد عليها هو بناء مناعة اقتصادية واجتماعية، وتنويع العلاقات الدولية، وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسساتهم. وأكد أن التحرر الوطني لا يكتمل إلا بتحصين الجبهة الداخلية عبر العدالة الاجتماعية، واحترام الحقوق، وتوسيع المشاركة، وإقامة علاقة ثقة بين الدولة والمجتمع. وشدد على أن معركة الحركة ليست معركة شعارات أو اصطفافات ظرفية، بل معركة بناء دولة مستقلة القرار، منتجة للثروة، عادلة في توزيعها، وقادرة على تحويل إرادة التحرر إلى واقع ملموس.

وحول التغييرات الجذرية التي وعد بها رئيس الدولة على الجهاز التنفيذي، يرى البريكي أن المسألة لا تتعلق بمجرد تغيير أشخاص، بل بطبيعة التصور الذي يحكم عمل الجهاز التنفيذي، ومدى امتلاكه برنامجاً واضحاً وقدرة فعليّة على تنفيذ الإصلاحات. وأشار إلى أن تغيير المسؤولين يمكن أن يكون ضرورياً، لكنه لن يكون كافياً إذا لم تصاحبه مراجعة للسياسات والآليات التي أدت إلى التعثر والفشل. وأوضح أن المواطن ينتظر نتائج ملموسة في التشغيل والأسعار والخدمات العمومية والاستثمار والتنمية الجهوية، ولا ينتظر مجرد تغييرات شكلية. ومن بين العوامل التي قد تعطل التغيير، ذكر تعقّد الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وتراكم الصعوبات المالية والإدارية، وصعوبة التنسيق بين مؤسسات الدولة، وغياب الانسجام أحياناً بين الأهداف المعلنة والوسائل المعتمدة. ودعا إلى بناء جهاز تنفيذي سياسي يعمل وفق برنامج معلن، وأولويات محددة، وآجال واضحة، ومؤشرات قابلة للقياس، وأن تقوم المسؤولية على الكفاءة والقدرة على الإنجاز، وأن تكون المحاسبة مرتبطة بالنتائج. وأكد أن التغيير المطلوب هو تغيير في الأداء وفي منهج الحكم وفي السياسات العمومية، وليس مجرد تغيير في الأسماء. وتونس تحتاج إلى حكومة سياسية تمتلك رؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة، وتستطيع تحويل الإمكانات الوطنية إلى ثروة وفرص عمل وتنمية عادلة.

وفيما يتعلق بالثغرات التي تستمد منها المنظومة القديمة قدرتها على إرباك الاستقرار والأمن الاجتماعي، حدد البريكي ثلاث ثغرات رئيسية: أولها استمرار الصعوبات المعيشية، وارتفاع كلفة الحياة، وتفاقم البطالة، والتفاوت بين الجهات وضعف الخدمات العمومية. وثانيها بطء الإصلاحات وغياب الوضوح في بعض الخيارات الاقتصادية والاجتماعية. وثالثها ضعف قنوات الحوار والتأطير والوساطة بين الدولة والمجتمع، ومحدودية مشاركة القوى الوطنية والاجتماعية في صياغة الحلول. وأكد أن مواجهة شبكات الفساد والمحسوبية تقتضي تطبيق القانون على الجميع، وتعزيز الشفافية والمحاسبة، وتفكيك المصالح غير المشروعة، والاستجابة للمطالب الاجتماعية، وخلق فرص عمل، وتحسين الخدمات، وتوسيع دائرة التشاور والمشاركة. وأشار إلى أن الاستقرار المستدام لا يتحقق بمجرد فرض النظام، بل ببناء الثقة والعدالة والإنصاف.

وللخروج من هذه الأوضاع، بلورة أعضاء المجلس المركزي جملة من الإجراءات الضرورية للدفع إلى الأمام وتقليص عوامل الاحتقان، منها على المستوى السياسي: استصدار القوانين المنظمة للمحكمة الدستورية وللمجلس الأعلى للقضاء، وتفعيل الدور التشريعي للبرلمان، وإطلاق سراح من حوكموا على قاعدة الفصل 24 من المرسوم 54 بعد إلغائه والاطلاق الفوري للموقوفين في مسيرة مساندي نشطاء أسطول الصمود. وعلى المستوى الاجتماعي: التطبيق الفوري لقانون عدد 18، والتسريع بكراء الأراضي الدولية على المعطلين عن العمل، وتشكيل فريقي عمل لمعالجة مشاكل أنظمة الضمان الاجتماعي ودراسة أوضاع المؤسسات والمنشآت العمومية واقتراح الحلول الملائمة للإصلاحات الضرورية. وعلى المستوى الاقتصادي: دعم الفلاحين استعداداً لموسم زراعة الحبوب وصابة الزيتون، وتنظيم هياكل الرقابة لمحاصرة الاحتكار والضغط على الأسعار، والإعلان عن مواعيد مضبوطة لاستكمال بعض المشاريع الكبرى. وعلى المستوى البيئي: تخصيص آخر يوم من كل شهر يوماً وطنياً للنظافة وتنظيم حملات تنظيف. وعلى مستوى العلاقات الخارجية: التأكيد على أن تعدد الشغورات في التمثيل الدبلوماسي الدولي يفقد سياسة الاستثمار آلية هامة من آلياتها.

وفي ضوء ما يشهده العالم من صراع بين الأقطاب، يرى البريكي أن مصلحة تونس تكمن في امتلاك قرارها الوطني، وتجنب التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى. واقترح أن تكون أدوات تونس الاستراتيجية للتموقع الناجع هي بناء اقتصاد منتج، وتنويع الشراكات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، واستعادة العمق المغاربي، وتعزيز التعاون العربي والإفريقي، وبناء دولة فعالة، وإدارة ناجعة، ومؤسسات مستقرة، وعدالة اجتماعية، وتعليم وبحث علمي قادران على إنتاج المعرفة والابتكار. وأكد أن تونس لا تحتاج إلى استبدال التبعية لجهة بالتبعية لجهة أخرى، بل تحتاج إلى سياسة خارجية مستقلة، وبرنامج اقتصادي وطني، وشراكات لا تمس قرارها السيادي.

وفي ختام الحوار، تطرق البريكي إلى تداعيات الحرب الإيرانية وتأثيرها في إمدادات الطاقة وشرايين الملاحة البحرية، معتبراً أننا إزاء بداية تحول عميق في المفاهيم على الساحة العربية، تصبح بمقتضاه السيادة الوطنية ملاذاً، وكل أشكال الاستقواء بالأجنبي وبالأجنبي. وأكد أن الأزمة أظهرت أن الحرب لا تبقى محصورة في ساحات المواجهة، بل تمتد تداعياتها إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة والملاحة البحرية، وتننعكس مباشرة على حياة الشعوب واقتصاداتها. ودعا إلى إعادة الاعتبار إلى مفهوم الأمن القومي العربي باعتباره منظومة متكاملة تشمل الأمن الغذائي والطاقي والمائي، والقدرة الدفاعية، والتعاون الاقتصادي، واستقلال القرار السياسي. وأكد أن السيادة الوطنية لا تعني الانغلاق أو رفض التعاون الدولي، بل تعني أن تكون الشراكات اختياراً حراً، لا علاقة تبعية، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الوطنية، لا رهينة لإرادة القوى الأجنبية. وأشار إلى أن مواجهة الاستقواء بالأجنبي لا يمكن أن تتم بخطاب أخلاقي فقط، بل ببناء دول قوية وعادلة، ومجتمعات متماسكة، واقتصادات قادرة على الصمود.

شارك الخبر: