بعد كشف «الشروق» لمخاطره.. والية نابل تسحب رخصة مصنع الذباب وتفتح تحقيقاً موسعاً


هذا الخبر بعنوان "انفردت «الشروق» بكشف مخاطره ...والية نابل تسحب رخصة مصنع الذباب وتفتح تحقيقا" نشر أولاً على موقع الشروق التونسية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 16 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تطور لافت، وبعد موجة من الاحتجاجات والمقالات التي أثارتها جريدة «الشّروق» حول مشروع تربية الذباب الأسود وتوليد اليرقات بمنزل بوزلفة، قررت والية نابل الاستجابة للأصوات الغاضبة والانتصار لمصلحة المنطقة بسحب ترخيص التصنيف من المصنع. يأتي هذا القرار بعد أن تحصل المصنع على رخصة تحت مسمى «تثمين النفايات»، بينما هو في الأصل يندرج ضمن مجال تربية الحيوانات.
وقد علمت «الشّروق» من مصادرها أن الوالية قررت عدم انطلاق نشاط المصنع ببوزلفة وفتحت تحقيقاً لتحديد المسؤوليات. يُذكر أن سحب ترخيص التصنيف سيضع وزارة الفلاحة في الواجهة بدلاً من وزارة البيئة، التي تم تمرير المشروع تحت إشرافها في البداية تحت مسمى تثمين النفايات. إلا أن حقيقة المشروع تكمن في تربية الحشرات.
وبعد الضجة الإعلامية الكبيرة وموجة الاحتجاجات المتواصلة من أبناء الجهة، وتحوّل المشروع إلى قضية رأي عام وصلت إلى مكتب رئيس الجمهورية وتم رفع الأمر للقضاء، يُتوقع ألا يرى المشروع النور في الجهة. بل تتزايد المطالب اليوم بمنعه من الانتصاب في أي نقطة من البلاد، خاصة بعد ثبوت مخاطره الصحية والبيئية عبر تحاليل صادرة عن معهد باستور أثبتت تلوثاً بكتريولوجياً للمائدة المائية بقرمبالية، مما جعل المياه غير صالحة للشرب أو الاستحمام جراء وحدة تثمين الذباب المنتصبة بالجهة منذ 10 سنوات. وتجدر الإشارة إلى فشل تجربة مماثلة في فرنسا بغلق مصنع لتوليد الديدان والذباب لتأكد مخاطره الصحية والبيئية.
مخاطر متعددة
يستهدف المشروع تربية الذباب الأسود (Black Soldier Fly – BSF) والديدان التي تتغذى على فضلات الخضر والفواكه وبعض المخلفات العضوية. يتم تجفيف هذه الديدان وطحنها لإنتاج علف غني بالبروتين لتغذية الدواجن والأسماك والحيوانات الأليفة، بالإضافة إلى السماد العضوي وبعض أنواع الزيوت. ستكون تونس مجرد حاضنة لمشروع يسوّق منتجاته في الأسواق الأوروبية، بينما طاقته التشغيلية وجدواه الاقتصادية ضعيفة. وتنشط الشركة المنتصبة في قرمبالية (NextProtein Tunisia) منذ أكثر من عشر سنوات، وتسعى للتوسع بوحدة ثانية في منزل بوزلفة، وهو ما واجه رفضاً من المتساكنين والمجتمع المدني.
وكان أستاذ التعليم العالي والباحث في علم المناخ، جميل الحجري، قد أكد في مقال سابق لـ«الشروق» أن المشروع يخالف توجهات الدولة في تشجيع التنمية المستدامة والاقتصاد الدائري. فهو يشكل خطراً على التربة والمائدة المائية وغابات القوارص، وعلى المجال المحلي المغلق نظراً لطبيعته الجغرافية التي تساعد على ارتفاع كثافة الملوثات. كما أن ارتفاع درجات الحرارة في ظل التغيرات المناخية يزيد من مخاطر الحشرات في حال انفلاتها. ويقع المصنع في منطقة فلاحية قريبة من مستشفى وإعدادية ومعهد ثانوي، ورغم وسائل الوقاية، أثبتت تجارب سابقة حدوث تسربات مؤثرة على المحيط الخارجي، مع شهادات حية لمواطنين بالقرب من مصنع قرمبالية تؤكد الضرر الصحي والنفسي والبيئي. ويستهلك المشروع كميات كبيرة من الكهرباء والماء.
تلاعب بالقوانين والتراخيص
أمام ما وُصف بالمشروع الكارثي، تم تكوين لجنة من الخبراء والجمعيات البيئية والمجتمع المدني لجأت إلى القضاء للمطالبة بتحديد المسؤوليات في منح تراخيص المشروع بعناوين متضاربة، ومنع توسعه نظراً لمخاطره البيئية والصحية، استناداً إلى الفصل 11 من مجلة البيئة والفصل 385 الذي يوازي بين الجريمة البيئية والإرهابية. وأكد جميل الحجري رفض انتصاب هذا المصنع في كامل تراب الجمهورية في غياب دراسة للتأثيرات البيئية من طرف خبراء مختصين، مشيراً إلى أن الموافقة على المشروع تمت في صمت وخفاء، وأن فريق المحامين يملك مؤيدات تؤكد التلاعب بالتراخيص واستغلال القوانين المشجعة على الاستثمار. كما عبّر عن استيائه من التلاعب بالقوانين لتمرير مشاريع مشبوهة تخضع للمحسوبية وتضارب المصالح، مع إعطاء الأولوية للجوانب الاقتصادية على حساب السلامة والمخاطر البيئية، وهو ما سمح بتمرير مشاريع مشبوهة في عهد يوسف الشاهد تحت غطاء الاستثمار دون دراسة شاملة.
وفي انتظار الحسم القضائي، أكدت المحامية سمية الصندلي، المهتمة بالملف، أن التلاعب في هذا المشروع سيحسمه القضاء. وقد أرسلت عدل تنفيذ إلى والية نابل لتسلم ملف المشروع، لكنها لم تمكنها من ذلك ورفضت. وفيما يتعلق بقرار سحب الرخصة، أكدت الصندلي أنها لن تعترف به إلا عند توثيقه في وثيقة رسمية، وإلا فالقانون لا يأخذ بالأقاويل. هذا الملف الذي أخذ منعطفاً جديداً يفتح الباب أمام مشاريع استثمارية أخرى ذات مخاطر جسيمة على البيئة والإنسان، ويسلط الضوء على حلقة التلاعب التي شملت المسؤولين المحليين والوزارات المعنية، وهو ما سيكشف عنه القضاء في سابقة ستنتصر للإنسان والبيئة بسلطة القانون.

صحة
ثقافة