تونس
اقتصاد

عاملات الفلاحة في فرنانة وطبرقة: صمود في وجه العنف وآمال تُبنى بالمجمعات النسائية

الشروق التونسية13 أكتوبر 2026 في 04:26 م0 مشاهدة
عاملات الفلاحة في فرنانة وطبرقة: صمود في وجه العنف وآمال تُبنى بالمجمعات النسائية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عاملات الفلاحة بفرنانة وطبرقة: كفاحٌ ضد العنف والنقل غير الآمن.. وأملٌ تصنعه المجامع النسائيةe" نشر أولاً على موقع الشروق التونسية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 13 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

من فرنانة إلى عين دراهم وطبرقة وبوسالم، نساءٌ يكسرن القيود عبر التكوين والعمل الجماعي. وبين أرقام الوزارة وشهادات الميدان، يبقى تأمين النقل وتطبيق المرسوم عدد 4 في صدارة المطالب.

قبل الأذان بقليل، وفي ظلام الثالثة أو الرابعة صباحًا، تقف الشاحنات على أطراف قرى فرنانة بولاية جندوبة. تصعد النساء إليها، تاركاتٍ بيوتهنّ وأبناءهنّ وراءهنّ، متجهين نحو حقول قد تبعد عشرات الكيلومترات. تقول منجية الهرمي، رئيسة جمعية «رؤى للمرأة» بفرنانة، إنهنّ يخرجن «بنصف حضور»، لأن قلوبهنّ بقيت في البيوت.

هذا المشهد اليومي ليس حالة معزولة. فمعطيات هيئة الأمم المتحدة للمرأة تشير إلى أن النساء يمثلن أكثر من 70 بالمائة من اليد العاملة في الوسط الريفي، في حين تظل نسبة كبيرة منهن ناشطة في القطاع غير المنظم، مما يحرمهن من حقوق اجتماعية ومهنية عديدة. كما تواجه عاملات الفلاحة صعوبات في النفاذ إلى الأراضي والتمويل والتكوين، إلى جانب مخاطر النقل غير الآمن من وإلى أماكن العمل. وتظل التغطية الاجتماعية واحدة من أبرز نقاط الضعف، حيث أشارت معطيات منشورة في تونس إلى أن نسبة التغطية الاجتماعية لدى النساء العاملات في الفلاحة لا تتجاوز 13.2 بالمائة، وهو رقم يكشف حجم الهوة بين مساهمة هذه الفئة في الإنتاج واستفادتها من منظومة الحماية الاجتماعية.

من الانقطاع عن الدراسة إلى بعث ورشة الأمل

لا تروي منجية الهرمي سيرتها بوصفها قصة بطولة. تقول إنها بدأت كإمرأة انقطعت مبكرًا عن التعليم وعاشت تجارب قاسية، لكنها «آمنت بنفسها قبل كل شيء» ورفضت البقاء حبيسة الماضي. تكوّنت في مجال التكوين المهني ومهارات التواصل، ثم في الخياطة، وفتحت ورشة صغيرة بآلة خياطة. دعمّتها وزارة المرأة والأسرة في إطار برنامج المرأة ذات الدخل الوحيد، ثم زوّدتها بآلتين إضافيتين وتجهيزات كاملة. تكوّنت في ورشتها قرابة عشرين فتاة، وتحولت إلى فضاء يستقبل النساء ضحايا العنف. وتقول الهرمي إن الجمعية تساعد الفتيات المنقطعات عن الدراسة على العودة إلى التعليم والتحضير للامتحانات. ومن لم تستطع المواصلة تُوجَّه إلى مهنة، وأغلبهنّ يخترن الخياطة لأنها «مورد رزق ومستقبل». وتشترط لكل خطوة أن تعرف المرأة حقوقها. فمن تعرف أن عليها ثماني ساعات عمل لا أكثر، وأن السمسار لا يحق له استغلالها، تدرك أن ما يُمارس عليها عنف وليس قدرًا. وهذا ما دفعها إلى إطلاق حملة مناصرة للمرأة الفلاحية.

المجتمع المدني سند نفسي واقتصادي

تعمل رحمة الجوادي، المعلمة ورئيسة جمعية المرأة الريفية بجندوبة، على جبهات متعددة. تقول إن دور الجمعية يبدأ بتوصيل صوت المرأة إلى السلط المحلية والجهوية والوطنية عبر التكوين والتأطير في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ويمتد إلى الدعم النفسي، وخاصة للمعنَّفات والأرامل والمطلقات اللاتي اشتغلت معهنّ الجمعية بين 2014 و2016. وتصف تنوع انتظارات النساء: واحدة تبحث عن مشروع تنفق منه على أبنائها، وأخرى تطمح إلى مركز قيادي لتصبح صاحبة قرار في جهتها، وثالثة تريد الخروج من الروتين والمشاركة في نشاط ثقافي. وتقول إن الجمعية تحاول تلبية هذه الانتظارات بقدر المستطاع.

الغابة التي تصنع الدخل

في طبرقة، تروي سنا، عضوة في مجمع «كنوز الشمال»، تجربة تقوم على تثمين المنتوجات الغابية. تتحول أعشاب مثل البابونج والإكليل إلى منتوجات معلبة تُستعمل في المطبخ والمشروبات العشبية. ويضم المجمع نحو 50 منخرطة، وفتح الباب لمتخرجات عبر مكتب التشغيل، منهنّ نحو سبع يعملن بعقد عمل مدني بمنحة 200 دينار في التسويق والاتصال والمنصة الرقمية. وفي مجمع «البركة» النسائي، تروي إحدى عضواته أن المجمع تأسس بمبادرة من جمعية «أطلس» لنساء انقطعن عن الدراسة. بدأ بالتقطير بكميات صغيرة ثم تطور حتى بلغ منتوجات حاصلة على شهادة البيو، ووصلت منتوجاته إلى أسواق خارجية. وتقول إن المرأة كانت تكسب في فترات سابقة ما بين 600 و800 دينار شهريًا. غير أن النجاح له حدود. فالمجمع، بحسب شهادتها، لم يعد كافيًا ليكون مورد رزق، إذ تزايد عدد المنخرطات إلى 58 امرأة بينما تراجع الإنتاج بسبب تغير المناخ وتقييد الدخول إلى الغابة. وتتحدث رحمة الجوادي عن عراقيل أخرى: إدارية تتعلق بمراحل الترخيص من المستوى المحلي إلى الجهوي، وتأخر وصول المعلومة حول فرص التمويل، وعقلية ذكورية تمنع بعض الأزواج زوجاتهم من الانخراط في المجامع.

الوزارة: منظومة إحاطة بالأرقام

على المستوى الرسمي، تقدم وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري صورة منظمة لما تقول إنه سياسة متكاملة لدعم المرأة الريفية، يضطلع بتنفيذها مكتب الإحاطة بالمرأة الريفية عبر شبكة دوائر الإحاطة في المندوبيات الجهوية للتنمية الفلاحية. ووفق بلاغ الوزارة، اعتمد المكتب خلال سنة 2025 مقاربة تشاركية تقوم على تشخيص حاجيات النساء. فنُظّم 96 اجتماعًا تشاوريًا بمشاركة 1572 امرأة، وشملت الحاجيات التكوين والتمويل والمرافقة الفنية والتنظيم المهني والتحويل والتسويق. وفي مجال التكوين، نُظمت دورات بمراكز التكوين المهني الفلاحي، إضافة إلى 310 دورة بالشراكة مع متدخلين آخرين استفادت منها 2615 امرأة. وأضاف البلاغ أن المكتب أحدث 172 مشروعًا مدرًّا للدخل لفائدة النساء، ونظّم 29 يومًا تحسيسيًا حول التمويل لفائدة 768 امرأة، إلى جانب متابعة المشاريع وإسناد القروض. وفي التنظيم المهني، يدعم المكتب 285 هيكلًا مهنيًا نسائيًا، منها 252 مجمعًا و33 تعاونية، ويسعى إلى إحداث هياكل جديدة وتجهيزها. كما ساهم في ولوج المنتوجات النسائية إلى الأسواق عبر المعارض ونقاط البيع، ونظّم أنشطة توعية بالتمويل والتغطية الاجتماعية ومناهضة العنف ضد النساء. وعلى صعيد الشراكات، ذكر البلاغ انخراط المكتب في برامج ومشاريع وطنية ودولية، من أبرزها «JP RWEE» و«EFOR» و«WAGES» و«PAMPAT2» و«CAWTAR-AGFUND» و«Swisscontact» والمشروع التونسي الإسباني. ويرى أن البرنامجين الأولين يركزان على الانتقال من دعم المرأة الريفية إلى تمكينها اقتصاديًا وتعزيز قدرتها على اتخاذ القرار والمشاركة في الهياكل.

شارك الخبر: