تونس
تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي: هل هو مجرد آلة وخوارزمية أم شيء مختلف حقاً؟

باب نت2 سبتمبر 2026 في 07:32 ص0 مشاهدة
الذكاء الاصطناعي: هل هو مجرد آلة وخوارزمية أم شيء مختلف حقاً؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "L�intelligence artificielle : machine et algorithme � ou autre chose ?" نشر أولاً على موقع باب نت وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 سبتمبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

ما الذي يبرع فيه الذكاء الاصطناعي حقاً وكيف يحقق ذلك؟ بقلم الدكتور عماد الحسين، الأستاذ الباحث في المعهد العالي للفنون والحرف القصرين. آلة تألف الموسيقى، وتشرح فكر كانت، وتكتشف هياكل بيولوجية غير مسبوقة، وتحلل صوراً طبية، وتقترح إستراتيجية في الشطرنج: هل يجب أن نرى في ذلك شكلاً جديداً من الذكاء، أم مجرد حاسبة أصبحت قوية بشكل استثنائي؟ لقد بدأت في كتابة هذا المقال بعد حضور محاضرة ألقاها فيلسوف شهير حول الذكاء الاصطناعي.

أطروحته تقوم على أن الذكاء الاصطناعي لا يفكر حقاً، نظراً لعدم توفر الوعي أو القصد أو الفهم المعاش لديه، إذ يكتفي بمعالجة وإعادة دمج المعلومات وفقاً للخوارزميات. هذا أمر بديهي لا يناقشه أحد بجدية اليوم. ولكن خلف هذه الأطروحة تبرز أطروحة أخرى أكثر إزعاجاً: هل يكفي تسمية تروس آلة ما لاستنفاد كل ما قادرة على فعله؟

من المنطق المبرمج إلى التعلم بالمثال، يُعد الذكاء الاصطناعي ثمرة لأكثر من سبعة عقود من الأبحاث. ففي خمسينيات القرن الماضي، كان الذكاء الاصطناعي الرمزي يشتغل بناءً على قواعد منطقية صريحة مثل "إذا كان س، إذن ص". ورغم نجاح هذا النهج مع الحاسبة، إلا أنه فشل بشكل ذريع أمام دقة اللغة أو الرؤية.

حدث التحول الأكبر بدءاً من العقد الثاني من الألفية الثالثة مع تقاطع ثلاثة تطورات تمثلت في انفجار البيانات الرقمية والمعلومات الضخمة، والقدرة الحاسوبية للمعالجات، وازدهار الشبكات العصبية العميقة. وبدلاً من برمجة جميع القواعد مسبقاً، يتم تزويد الآلة بملايين الأمثلة والسماح لها باستخلاص الانتظام منها.

يقوم الذكاء الاصطناعي الحديث بتعديل ملايين، وأحياناً مليارات المعالم الداخلية خلال عملية تعلمه لربط بيانات الإدخال بالنتائج المتوقعة. وبوضوح تام، فإنه يتعلم بناءً على الانتظام الإحصائي لإنتاج الإجابة الأكثر ملاءمة في سياق معين. وهو يتألق عندما تتوفر ثلاث شروط وهي كمية كبيرة من بيانات الأمثلة، ومعيار نجاح قابل للقياس بوضوح، وانتظام إحصائي كامن يمكن تعلمه بالتكرار.

هذا الفعالية لها حدود بطبيعة الحال، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر هشاشة عند تفسير موقف غير مسبوق حقاً، أو إظهار الحس السليم تجاه ما هو غير متوقع، أو التحقق بدقة من معلومة ما. ومن الممكن أن يرتكب أخطاء وخاصة عندما تكون البيانات المتاحة غير كافية أو غامضة أو سيئة الجودة، مما ينتج أحياناً معلومات خاطئة أو مخترعة بثقة كبيرة وهو ما يعرف بالهلوسة.

علاوة على ذلك، يمكن للتحيزات الموجودة في بيانات التدريب أن تتسرب إلى إجاباته وتؤدي إلى نتائج موجهة أو حتى تمييزية. وتظهر هذه الحدود أنه من الأدق اعتبار الذكاء الاصطناعي أداة قادرة على إنجاز مهام معينة بشكل مستقل تماماً بدلاً من اعتباره صانع قرار حقيقي.

وهنا يجب التمييز بين عائلتين وهما الذكاء الاصطناعي العام مثل تشات جي بي تي وكلود وجيميني والتي تشبه السكاكين السويسري، والذكاء الاصطناعي المتخصص المصمم للتميز في مجال معين مثل تحليل الصور الطبية وتوقع بنيات البروتينات وحل المشكلات الرياضية المتقدمة وتحسين الإستراتيجيات.

حين تتجاوز الآلة الخبير حتى في الرياضيات، يظهر التفوق في مهام محددة بدقة. فقد شكل فوز ديب بلو التابع لشركة آي بي إم ضد غاري كاسباروف في عام 1997 محطة تاريخية. ومنذ ذلك الحين، تطورت محركات الشطرنج وتجاوزت اللاعبين البشريين بكثير. وفي مجال علم الأحياء، أتاح ألفا فولد الذي طورته غوجل ديبمايند التنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد لجميع البروتينات المعروفة تقريباً.

وفي الرياضيات التي كانت تعتبر لفترة طويلة أحد آخر حصون التفوق الفكري البشري، تمكن كل من ألفابروب و ألفاجيومتري 2 في عام 2024 من حل أربعة من أصل ستة مسائل في أولمبياد الرياضيات الدولي، وحصل إصدار متقدم من جيميني في عام 2025 على مستوى الميدالية الذهبية.

لا يقتصر الذكاء الاصطناعي على المجالات التي يقاس فيها الأداء بالدرجات، بل يتدخل أيضاً في الأنشطة المرتبطة تقليديا بالإبداع مثل الفنون البصرية التي استخدم فيها الفنان رفيق أناهول التعلم الآلي، والموسيقى التي جربت فيها هولي هيرندن نظام سباون، والكتابة الأدبية التي استخدمت فيها الكاتبة اليابانية ري كودان تشات جي بي تي.

وفيما يتعلق بالمعضلات الفلسفية، يمكن للذكاء الاصطناعي أداء عمليات مثل شرح عقيدة أو مقارنة أفكار أفلاطون وأرسطو، لكنه يبقى مجرد معالجة مختلفة للمعلومات دون وعي أو خبرة ذاتية حية كتلك التي عاشها سقراط أو نيتشه.

ختاماً، لا يمثل الذكاء الاصطناعي ببساطة بغبغاءً رقمياً ولا عقهاً بشرياً اصطناعياً، بل أداة تثير تحديات تنظيمية وأخلاقية تتطلب إطاراً صارماً لضمان الاستخدام المسؤول وتحقيق الاستفادة القصوى من إمكانياته مع تجنب مخاطره.

شارك الخبر: